سهيلة عبد الباعث الترجمان
63
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
بعض الخوارق على يديه وجماعة من الصوفية في " زقاق القناديل " « * » بظهور الأنوار المضيئة في أجسامهم التي بددت ظلام الحجرة ، ورأى ابن عربي الرجل الذي خاطبه بالإشارة إلى روح المذهب الذي ارتبط باسمه فيما بعد ، وذلك هو : " اعلم أن الخير في الوجود والشرّ في العدم . . . فكان هو لا أنت . . . " وقد فهم ابن عربي هذه الإشارات وحاول أن ينظم حولها شعرا يترجم عن معانيها ، ويبدو أن عوام الصوفية لم يدركوا جلال هذه المعاني ومدى خطورتها بين غير أهلها ، فنقلوا عفوا أو تباهيا إلى أسماع الفقهاء الذين يغارون على السّنّة ، ولعل هؤلاء ما زالوا على موقفهم من عداوة ابن عربي بعد أن شاع من أشعار ترجمان الأشواق التي أخذوها قبل كتابة شرحها ، وأضيف هذا إلى ذلك وحمل إلى الملك العادل متهمين " ابن عربي " بالكفر والزندقة والثبور وعظائم الأمور ، طالبين منه إهدار دمه حتى يكون عبرة لغيره « 1 » . وليس بغريب على ابن عربي ألّا يتأثر ولم يتز عزع إيمانه ، إذ كان يتوقع حدوث ما حدث ، وقد وطّن نفسه على الصبر على ذلك ، جاء في شذرات الذهب " وقد أوذي الشيخ كثيرا في حياته وبعد مماته ، بما لم يقع نظيره لغيره ، وقد أخبرهم عن نفسه بذلك ، فقد قال في الفتوحات : " كنت نائما في مقام إبراهيم ، وإذا بقائل من الأرواح يقول لي عن اللّه : أدخل مقام إبراهيم ، إنه كان أوّاها حليما " ، فعلمت أنه لا بد أن يبتليني بكلام في عرضي من قوم فأعاملهم بالحلم ، قال : ويكون أذى كثيرا ، فإنه جاء بحليم بصيغة المبالغة ، ثم وصفه بالأوّاه وهو من يكثر التأوه لما يشاهد من جلال اللّه " « 2 » . وقد وطّن الشيخ الأكبر نفسه على الصبر لهذا الأذى حتى يكون جديرا بالتخلّق بمقام الخليلية . ولكن ما يبدوا أن مقام ابن عربي كبيرا لدى أصحاب الشأن ، فلم ينالوا منه إثر هذه الوشاية ، بل زادته ثباتا وقوة ومكانة عندهم . يقول أسين بلاثيوس في هذا الصدد : " ومن حسن الحظ في هذه المناسبة أن هذه الاتهامات لم تلق أذنا سميعة عند
--> ( * ) أحد الأحياء التي سكنها ابن عربي في مصر ( القاهرة ) وقد ورد ذكره سابقا . ( 1 ) ابن عربي ، محاضرة الأبرار ، القاهرة 1324 ه ، ج 2 ، ص . ص 24 ، 31 . روح القدس ص . ص 9 - 10 - 14 ( انظر فرغلي ، مرجع سابق ، ص 58 ) . ( 2 ) ابن العماد ، شذرات الذهب ، الجزء الخامس ، ص 190 .